|
للبيت الدمشقي سحره الخاص الذي
يروق للكثيرين ممن أتيحت لهم فرصة سكناه, والتمتع بروعة هندسته
المدروسة بعناية, التي تثير في النفوس البهجة والطمأنينة, ومن
الممكن هنا تلخيص مميزات البيت الدمشقي في ثلاثة وجوه؛ أولها:
أن البيت الدمشقي القديم مغلق من خارجه، مكشوف في داخله، تحسب
نفسك وأنت تقصده بين الأزقة الضيقة الملتوية والحارات الظليلة,
في المدينة القديمة, أنك أمام جدران شوهاء صماء موحدة,تحجب من
دونها وعلى من يعيش خلفها الشمس المشرقة والنور الساطع. ولكنك
لا تكاد تتبين سبيلك إلى داخلها حتى تجد نفسك أمام فناء رحيب
تتوسطه بركة تتدفق منها المياه, ويحيط به الغرف الواسعة,
والأشجار الباسقة, والعرائش, وترى البيت بسعته وتنسيقه
ومحتوياته لكل متطلبات الصحة والراحة.
وثاني هذه المميزات: وفرة
الزخارف والتزيينات الرائعة, سواء منها الرخامية المنوعة
الأشكال والمتعددة الألوان, المستعملة في أقنية الدور وأحواض
المياه والقاعات ومصاطب الجلوس, والخشبية منها المستعملة في
إكساء السقوف والجدران والمطلية بأجمل الألوان, وبأنواع
الكتابات والرسوم والخطوط التزيينية الجميلة والمستوحاة
بأشكالها وتفاصيلها من روح الفن العربي الأصيل.
وأما ثالث هذه المميزات: فنجده
واضحاً في تجمع الأب والأبناء والأحفاد وأسرهم تحت سقف واحد,
وفي ذلك إتاحة لتلك العائلة القاطنة ضمن جدرانه المغلقة, متعة
الانعزال والانفراد بحياتها ومشاكلها عن مزعجات الجوار, التي
يتذمر منها أكثر قاطني الدور الحديثة, في الأبنية المشتركة
المتعددة الطوابق, والأبراج العالية, التي يروج إعمارها في
دمشق, دون مراعاة جمالية طراز البناء ضمن ملامح ومزايا النهج
القديم.
ومهما هفت النفوس لمتعة الحياة
في رحاب مثل هذا البيت الدمشقي, إلا أن الحياة المعاصرة تشير
إلى أن هذا الطراز أصبح صفحة زاهية من الماضي, وميزة فريدة في
تراث دمشق.
يتناسب مع
الحياة اليومية
تتميز مدينة دمشق القديمة
بالبيوت السكنية المشهورة بأفنيتها الواسعة والمزروعة بالأشجار
والأزهار وتصاميمها الضخمة ذات العناصر الثرية المتعددة من حيث
وظائفها المتلائمة مع ظروف المناخ والبيئة المحيطة إضافة لما
توفره التصاميم الخارجية من شروط الأمان المطلوبة لسكانها.
وتغطي العمائر السكنية في مدينة
دمشق نسبة لا تقل عن 60% من المدينة القديمة ولكن لم يتبق منها
سوى 41 منزلاً أثرياً داخل الأسوار و77 منزلاً موزعاً خارجها
وكلها ترجع إلى العصر العثماني.
والبيت الدمشقي هو خلاصة لتجارب
عمرانية إسلامية راقية روعيت في تصميمه كل المقاييس البيئية
والاجتماعية وأهم مميزاته أنه يضم شتى أنواع الزخرفة النباتية
والهندسية ضمن فراغات وفضاءات ميزت الطراز السكني الدمشقي
بأبهى أنواع البناء فأتى مرناً يتناسب مع الحياة اليومية للسكن
حيث ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية أولها الحرملك وهو القسم
الذي تعيش فيه الأسرة وأطلق عليه هذا الاسم منذ القرن السادس
عشر وهو من أهم الأقسام ومخصص للمعيشة والحياة وفيه كل ما
تحتاجه الأسرة من فراغات معمارية وفيه أماكن للنوم وفناءان
مخصصان للعب الأطفال وللأمهات اللاتي يقمن بأدوارهن من طبخ
وغسيل ونظافة وما شابه من ملحقات تتعلق بنشاط المرأة وعنايتها
بمنزلها واسرتها.
وخصص المعماري الدمشقي السلملك
للقسم الرجالي أو الاستقبال وهذا القسم هو الوحيد الذي يدخله
الرجال والزوار من خارج المنزل وله مدخل خاص قريب من المدخل
الرئيس للمنزل دون الدخول إلى قسم المعيشة وكان كلما تعقدت
الحياة الاجتماعية زاد فصله عن القسم الخاص بنشاط الأسرة وهو
يلبي احتياجات الضيوف دون المرور بأجزاء البيت الداخلية.
أما القسم الثالث أو الخدملك
فيتميز بتقديم الخدمات التي يحتاجها المنزل من حمام ملحق
وساقية لرفع المياه وأماكن لسكن الخدم وأيضاً إسطبل للخيول
وهذا القسم كان يتعلق بطبقة الأعيان والتجار وكان له مساحة
جيدة من المساحة العامة للبيت الدمشقي.
ويضيف الباحثون إلى أجزاء البيت
الدمشقي قسماً رابعاً هو المدخل وغالبا ما يكون مدخلاً ضخماً
له حضور قوي في الواجهة الرئيسة وله طريق منكسر لكي يمنع
الاختراق المباشر لحرم البيت وللحفاظ على خزان الهواء البارد
في الفناء.
ويتميز عمران البيت الدمشقي
بالحفاظ على البيئة وتوفير أكبر قدر ممكن من الماء في صحن
الدار أو ما يقصد به البحرة التي تتوسط البيت وتعمل على ترطيب
هواء المنزل على شكل قلب مائي يسمح للهواء البارد بالنزول
ليلاً ليتحول هذا القلب إلى مكيف طبيعي يقوم بجذب الهواء
البارد وطرد الهواء الساخن بالتعاون مع الواجهات الداخلية
القليلة الفتحات مع المدخل المنكسر للحفاظ على برودة وإنعاش
المكان أطول فترة ممكنة.
كما يشكل الزجاج الذي خلطه
الفنان السوري بالجص أو ما يعرف بالزجاج المعشق آلية سحرية في
عكس الضوء وإضفاء أنوار معدلة تسمح للنور بالانعكاس الشفاف على
أقبية البيت ومداخله وغرفه فيضفي ذلك لمسة صوفية آسرة تزيد
المكان جمالا على جمال. ومن أهم هذه البيوت الدمشقية العريقة
بيت خالد العظم الذي تحول إلى متحف للتوثيق التاريخي وبيت أسعد
باشا العظم وقد تحول إلى متحف للتقاليد الشعبية في البزورية.
وهناك بيت زين العابدين الذي
تشغله مديرية المباني الأثرية ويعود إلى القرن الثامن عشر و
بيت سليمان الذي تمَّ ترميمه مؤخراً ليكون مقراً لاتحاد
الآثاريين العرب إضافةً إلى بيوت كثيرة كبيت جبري وبيت نظام
وبيت السباعي وبيت القوتلي. |