العدد / 17 / - شباط  2011

الرئيسية

الأفتتاحية

أخبار فرش
اقتصاد
مكان للزيارة
تراث
هبي مون
ثقافة
نجوم اللؤلؤة
أخبار النجوم
من القلب
معارض
أخر موضة
سرعة
مذاقات
الأبراج
 
هيئة التحرير
 
 
 

ملتقى المثقفين والفنانيــن..

البيت الدمشقي

خلاصة تجارب عمرانية راقية

يراعي المقاييس البيئية والاجتماعية

للبيت الدمشقي سحره الخاص الذي يروق للكثيرين ممن أتيحت لهم فرصة سكناه, والتمتع بروعة هندسته المدروسة بعناية, التي تثير في النفوس البهجة والطمأنينة, ومن الممكن هنا تلخيص مميزات البيت الدمشقي في ثلاثة وجوه؛ أولها: أن البيت الدمشقي القديم مغلق من خارجه، مكشوف في داخله، تحسب نفسك وأنت تقصده بين الأزقة الضيقة الملتوية والحارات الظليلة, في المدينة القديمة, أنك أمام جدران شوهاء صماء موحدة,تحجب من دونها وعلى من يعيش خلفها الشمس المشرقة والنور الساطع.‏ ولكنك لا تكاد تتبين سبيلك إلى داخلها حتى تجد نفسك أمام فناء رحيب تتوسطه بركة تتدفق منها المياه, ويحيط به الغرف الواسعة, والأشجار الباسقة, والعرائش, وترى البيت بسعته وتنسيقه ومحتوياته لكل متطلبات الصحة والراحة.‏

وثاني هذه المميزات: وفرة الزخارف والتزيينات الرائعة, سواء منها الرخامية المنوعة الأشكال والمتعددة الألوان, المستعملة في أقنية الدور وأحواض المياه والقاعات ومصاطب الجلوس, والخشبية منها المستعملة في إكساء السقوف والجدران والمطلية بأجمل الألوان, وبأنواع الكتابات والرسوم والخطوط التزيينية الجميلة والمستوحاة بأشكالها وتفاصيلها من روح الفن العربي الأصيل.‏

وأما ثالث هذه المميزات: فنجده واضحاً في تجمع الأب والأبناء والأحفاد وأسرهم تحت سقف واحد, وفي ذلك إتاحة لتلك العائلة القاطنة ضمن جدرانه المغلقة, متعة الانعزال والانفراد بحياتها ومشاكلها عن مزعجات الجوار, التي يتذمر منها أكثر قاطني الدور الحديثة, في الأبنية المشتركة المتعددة الطوابق, والأبراج العالية, التي يروج إعمارها في دمشق, دون مراعاة جمالية طراز البناء ضمن ملامح ومزايا النهج القديم.‏

ومهما هفت النفوس لمتعة الحياة في رحاب مثل هذا البيت الدمشقي, إلا أن الحياة المعاصرة تشير إلى أن هذا الطراز أصبح صفحة زاهية من الماضي, وميزة فريدة في تراث دمشق.

يتناسب مع الحياة اليومية

تتميز مدينة دمشق القديمة بالبيوت السكنية المشهورة بأفنيتها الواسعة والمزروعة بالأشجار والأزهار وتصاميمها الضخمة ذات العناصر الثرية المتعددة من حيث وظائفها المتلائمة مع ظروف المناخ والبيئة المحيطة إضافة لما توفره التصاميم الخارجية من شروط الأمان المطلوبة لسكانها.

وتغطي العمائر السكنية في مدينة دمشق نسبة لا تقل عن 60% من المدينة القديمة ولكن لم يتبق منها سوى 41 منزلاً أثرياً داخل الأسوار و77 منزلاً موزعاً خارجها وكلها ترجع إلى العصر العثماني.

والبيت الدمشقي هو خلاصة لتجارب عمرانية إسلامية راقية روعيت في تصميمه كل المقاييس البيئية والاجتماعية وأهم مميزاته أنه يضم شتى أنواع الزخرفة النباتية والهندسية ضمن فراغات وفضاءات ميزت الطراز السكني الدمشقي بأبهى أنواع البناء فأتى مرناً يتناسب مع الحياة اليومية للسكن حيث ينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية أولها الحرملك وهو القسم الذي تعيش فيه الأسرة وأطلق عليه هذا الاسم منذ القرن السادس عشر وهو من أهم الأقسام ومخصص للمعيشة والحياة وفيه كل ما تحتاجه الأسرة من فراغات معمارية وفيه أماكن للنوم وفناءان مخصصان للعب الأطفال وللأمهات اللاتي يقمن بأدوارهن من طبخ وغسيل ونظافة وما شابه من ملحقات تتعلق بنشاط المرأة وعنايتها بمنزلها واسرتها.

وخصص المعماري الدمشقي السلملك للقسم الرجالي أو الاستقبال وهذا القسم هو الوحيد الذي يدخله الرجال والزوار من خارج المنزل وله مدخل خاص قريب من المدخل الرئيس للمنزل دون الدخول إلى قسم المعيشة وكان كلما تعقدت الحياة الاجتماعية زاد فصله عن القسم الخاص بنشاط الأسرة وهو يلبي احتياجات الضيوف دون المرور بأجزاء البيت الداخلية.

أما القسم الثالث أو الخدملك فيتميز بتقديم الخدمات التي يحتاجها المنزل من حمام ملحق وساقية لرفع المياه وأماكن لسكن الخدم وأيضاً إسطبل للخيول وهذا القسم كان يتعلق بطبقة الأعيان والتجار وكان له مساحة جيدة من المساحة العامة للبيت الدمشقي.

ويضيف الباحثون إلى أجزاء البيت الدمشقي قسماً رابعاً هو المدخل وغالبا ما يكون مدخلاً ضخماً له حضور قوي في الواجهة الرئيسة وله طريق منكسر لكي يمنع الاختراق المباشر لحرم البيت وللحفاظ على خزان الهواء البارد في الفناء.

ويتميز عمران البيت الدمشقي بالحفاظ على البيئة وتوفير أكبر قدر ممكن من الماء في صحن الدار أو ما يقصد به البحرة التي تتوسط البيت وتعمل على ترطيب هواء المنزل على شكل قلب مائي يسمح للهواء البارد بالنزول ليلاً ليتحول هذا القلب إلى مكيف طبيعي يقوم بجذب الهواء البارد وطرد الهواء الساخن بالتعاون مع الواجهات الداخلية القليلة الفتحات مع المدخل المنكسر للحفاظ على برودة وإنعاش المكان أطول فترة ممكنة.

كما يشكل الزجاج الذي خلطه الفنان السوري بالجص أو ما يعرف بالزجاج المعشق آلية سحرية في عكس الضوء وإضفاء أنوار معدلة تسمح للنور بالانعكاس الشفاف على أقبية البيت ومداخله وغرفه فيضفي ذلك لمسة صوفية آسرة تزيد المكان جمالا على جمال. ومن أهم هذه البيوت الدمشقية العريقة بيت خالد العظم الذي تحول إلى متحف للتوثيق التاريخي وبيت أسعد باشا العظم وقد تحول إلى متحف للتقاليد الشعبية في البزورية.

وهناك بيت زين العابدين الذي تشغله مديرية المباني الأثرية ويعود إلى القرن الثامن عشر و بيت سليمان الذي تمَّ ترميمه مؤخراً ليكون مقراً لاتحاد الآثاريين العرب إضافةً إلى بيوت كثيرة كبيت جبري وبيت نظام وبيت السباعي وبيت القوتلي.

استثمار ثقافي

تشهد اليوم مدينة دمشق القديمة استثماراً ثقافياً لبنية البيت الدمشقي العريق وذلك بتحويل العديد من هذه البيوت إلى صالات لمعارض الفن التشكيلي وإقامة الأمسيات الفنية والثقافية واللقاءات الشعرية والأدبية مثل صالة عالبال للفنون التشكيلية ودارة بشار زرقان ودارة الفنون وتمر حنة وغاليري مصطفى علي وغاليري تاج محل.

ويسجل البيت الدمشقي اليوم صورة معاصرة لتجمعات فنية اتخذت من فضائه اتجاهاً حداثياً لفنون عديدة أهمها المسرح حيث استفاد العديد من المخرجين والفنانين المسرحيين من عبقرية الأمكنة الدمشقية لما تقترحه من ألق خاص على العمل المسرحي وما توفره بقاعاتها وردهاتها من سينوغرافيا استثنائية لتقديم مناخات مشهدية وحالات فرجة خاصة كما حدث مع تجربة دارة الفنون في استقطاب أعمال مسرحية للعرض كما في تجربة المخرج أسامة غنم الأخيرة في عرضه حدث ذلك غداً الذي قدمه في أحد البيوت الدمشقية العتيقة الواقعة في حي مئذنة الشحم.

مدارس فنية ومعمارية

لايزال البيت الدمشقي القديم حتى الآن واحداً من أهم ما أنجزته التحولات العمرانية والمعمارية في مدينة دمشق التي أفرزت قيماً اجتماعية وحضارية وثقافية على مر تاريخها الطويل حيث يمتلك هذا البيت من خلال غرفه ونمطه العمراني مزايا فريدة ومتفردة من حيث الجماليات والتوزيع الوظيفي.

ومن خلال هذه البيوت اكتسبت المدينة نسيجاً عمرانياً تميز بالجمال والغنى بأنماطه المعمارية وفراغاته وإحساسه الجمالي كمحصلة للعديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والبيئية.

وقال الدكتور مأمون بدر الدين الورع: إن تطور المدارس الفنية والمعمارية التي عرفتها دمشق تتماشى والحقب السياسية المزدهرة التي تعاقبت على المدينة.

وأضاف الورع إن العصر الحديث بالنسبة لتاريخ دمشق العمراني يبدأ من منتصف القرن التاسع عشر حيث تأثرت بنمط العمران القادم من أوروبا ولكنها نجحت في المحافظة على أجزاء كبيرة من عمران المدينة القديمة وخاصة داخل السور القديم موضحاً أن تاريخ البيت الدمشقي على وجه الخصوص يعود إلى القرنين 17و18 وحتى منتصف القرن 19 حيث حافظت هذه البيوت خلال هذه الفترة على نمط الحياة السائدة وحققت لساكنيها الراحة والأمان والجمال.

كما ساهمت المدينة بعد الفتح الإسلامي عن طريق توزيع العقارات بإرساء مبادئ لنظام البناء كقواعد وسلوك عمراني للمسلمين ساكني هذه المدن فظاهرة الحارات المغلقة كانت وسيلة مبتكرة ومدروسة بدقة لحراسة قلب المدينة وتعزيز درجة الأمان في نفوس السكان.

وعن مميزات البيت الدمشقي قال الورع.. إن البيت الدمشقي القديم يتميز بتأكيده على التنويع في الزخرفة وتصوير المواضيع الزخرفية النباتية والهندسية وتنوع المواد الإنشائية مثل الطين والخشب والحجر الغالبة في إنشاء الجدران والسقوف مضيفاً إن القاعات الرئيسية في البيت الدمشقي مزدانة بروائع الزخارف الخشبية الملونة والرخامية والحجرية التي تزين نهايات الأبواب والنوافذ.

وأوضح الورع أن البيت الدمشقي يقسم إلى قسمين رئيسيين قسم استقبال الضيوف الرجال ويسمى السلاملك وقسم المعيشة ويسمى الحرملك وهو خاص بالنساء ويحتوي كلا القسمين على فناء داخلي تحيط به الغرف والقاعات مشيراً إلى أن السلاملك يحتوي على جزأين الأول يضم مدخل السكن في مكان لا يفسح المجال للنظر إلى الباحة الرئيسية أما الجزء الثاني فهو الباحة الرئيسية للبيت والتي تمثل الجوهر الرئيسي والعنصر المميز للسكن وتسمى أرض الديار التي تتصف بالتناظر الكامل أما استقبال الضيوف في فصل الشتاء فيكون في قاعتين مرتفعتين على جانبي الليوان تتميزان بزخارف كثيرة مشيراً إلى أن الحرملك يحتوي على أرض ديار ونافورة وأشجار ويتصل بالمطبخ بشكل مباشر.

أما بالنسبة للغرف والدواوين والقاعات التي يحتويها البيت الدمشقي فإن الغرف تقسم عادة إلى قسمين قسم مرتفع بحدود خمسين سنتمتراً عن أرضية الغرفة ويسمى المجلس وهو يحتل ثلاثة أرباع مساحة الغرفة وقسم منخفض ويسمى العتبة ويحتل الربع الباقي من المساحة حيث تكسى جدران المجلس بكسوة خشبية ملونة تتوجها الزخارف الخشبية الجميلة التي يتساقط عليها النور المنبعث من نوافذ الغرفة لتزيد من جمالها وجاذبيتها.

كما تحتوي غرف ودواوين البيت الدمشقي على فجوة ذات رفوف في الجدار تستخدم لوضع الكتب وتسمى الكتبية وفجوة ذات درفتين مصنوعتين من الخشب أو الزجاج لإظهار التحف الموجودة داخلها وتسمى الخرستانة.

وتعتمد الزخارف الحجرية بالدرجة الأولى على العناصر الهندسية الكبيرة والرقيقة والمتناظرة والقليل من العنصر النباتي التزييني مظهرة بذلك أعلى درجات الأصالة في الفن الدمشقي إضافة إلى ذلك تحيط الخيوط الحجرية التزيينية بالألواح الرخامية والأقواس في القاعات الرئيسية المؤلفة من بعض العناصر النباتية الخاضعة لتنسيق هندسي دقيق والذي انتشر استعماله في العمارة الإسلامية.

صحة وأمان اجتماعي ونفسي

 إن بناء البيت الدمشقي كان يتم بطريقة هندسية مدروسة من النواحي البيئية والمناخية والاقتصادية محققاً لقاطنيه الصحة والأمان الاجتماعي والنفسي وملبياً حاجاتهم الوظيفية والاجتماعية موضحاً أن ما يعرف اليوم بالبيئة المستدامة كان السوريون يحققونه باستخدامهم للخشب والأحجار في مواد البناء غير الضارة بالبيئة.

وأشار الدكتور يسار عابدين إلى أن البيوت القديمة تبدو عادية ومتشابهة من الخارج مراعاةً لشعور الفقراء وتعبيراً عن قيم التكاتف والمحبة بين الناس لكن الاختلاف كان يظهر داخل هذه البيوت من حيث الزخرفة ونوعية الأحجار المستخدمة مضيفاً أن نسب العمارة وتصميم البناء في البيت الدمشقي القديم هي نسب إنسانية أساسها الأشكال الهندسية التي تتبع الرزانة والحرفية في البناء والتوزيع.

وأوضح عابدين أن البيت الدمشقي عبارة عن عمارة محلية يتغير طرازها المعماري وفقاً للمفاهيم الاجتماعية السائدة وتطور مواد البناء بحيث تحمل كل مرحلة مفاهيمها الجمالية الخاصة لافتاً إلى أن توجه أهل دمشق للسكن في بيوت حديثة جاء نتيجة التطور الاجتماعي والاقتصادي من حيث ظهور مفاهيم استقلالية لكل أسرة والتقنين الاقتصادي.

غنى وجمال باهر من الداخل

 البيت الدمشقي القديم ابن بيئته وظيفياً وجمالياً من حيث تنظيمه المعماري والمواد المستخدمة في بنائه ذات الطبيعة العازلة بحيث توفر الرطوبة في الصيف والحرارة في الشتاء وبذلك امتلك خصائص عديدة على صعيد جماليات العمارة المتميزة بالدقة والإبداع.

وقال الدكتور والباحث محمود شاهين: إن تصميم البيت الدمشقي يعد استمراراً لأنماط البيت الإسلامي الشبيه بالمرأة المحجبة التي لا يرى من محياها إلا ما ندر فهذه البيوت لا توحي بجماليات متميزة ومتفردة من الخارج لكنها ذات غنى وجمال باهر من الداخل وما أن يطأ المرء عتبات البيت الدمشقي حتى يتكشف له سحرها الجميل إضافة لوجود نباتات ارتبط اسمها مع البيت الدمشقي مثل النارنج واللبلاب والياسمين ذات المواصفات الوظيفية والجمالية تساعد على تلطيف الجو وإنعاشه إلى جانب الاستفادة من ثمارها وأزهارها وأوراقها.

وأشار شاهين إلى أن الفن الشرقي تاريخياً لم يؤمن بمقولة الفن للفن أو الجمال للجمال، بل أن الفن في الشرق بشكل عام والإسلامي بشكل خاص كان موجهاً دائماً لخدمة الحياة اليومية للإنسان بحيث طوره الفنانون الشرقيون وأضفوا على الدور الوظيفي قيماً جمالية وإبداعية.

وعن السؤال حول المقاربة بين البيت الدمشقي القديم والحديث قال شاهين.. لا يوجد أي مقاربة فالبيت الحديث هو بيت تلفيقي وعلب كبريتية مستوردة من الخارج لا علاقة لها ببيئتنا لا من حيث نمطية العمارة ولا من حيث طراز جمالياته.

واليوم يوجد في دمشق القديمة العديد من البيوت الجميلة التي تلقى عناية من المهتمين بالتراث الحضاري الدمشقي مثل قصر العظم في منطقة البزورية والذي تحول اليوم إلى متحف للتقاليد الشعبية، وبيت نظام الذي بني عام 1772 والمتميز بقاعته الرئيسية التي تعد من الفراغات الفريدة من نوعها ضمن الدور الأثرية في دمشق القديمة واختير هذا البيت عام 1982 ليكون مقراً ونموذجاً لأعمال الترميم الذي تقوم به مديرية الآثار والمتاحف بدمشق بالإضافة إلى مكتب عنبر الذي بني عام 1876 للسكن ثم تحول إلى دار للتعليم و وأصبح حالياً مقراً لقصر الثقافة العربية ويعد مكتب عنبر من البيوت الفريدة من نوعها لاعتماده على جميع عناصر العمارة والنقش العربي في تصميمه الداخلي بما فيها التزيينات والزخارف الداخلية كما يتميز بأعمدته الرشيقة وزخارفه المتنوعة إضافة لجدرانه المزينة بالفسيفساء والرسوم الجدارية.


أعمدة الرأي

وجهة نظر

محمد النجم

مطلب سياحي

مخبر اللؤلؤة

همسات

لؤلؤة الكلام

عبد الله طباخ

الأرشيف
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظة لدى موقع لؤلؤة السياحة © 2008